Print this page

الشاعر المصري أحمد بخيت لـ "المغرب": "لم أكتب ليصفقوا لي...  كتبت لينتبه الغافلون ولينزعج التافهون"

هو "ذلك الولد القديم.. الأسمر اللثغة...يُضمد روحه شعرا

...ويَنفث ساخرا تبغه". هو الشاعر الذي قال: "رفعتُ لله قنديلي فأوقدهُ ...  فهل تظنّ يدا في الأرض تطفئني؟"، ثم  مضى في دروب القصيدة مبحرا، مجدّدا ، مكابرا... ليكمل "كبرياء الشعر" ما لم يقله "صمت الكليم". هو الشاعر الذي علّمنا "ألاّ نستجير من الجراحِ، وإنما... من فرط نخوتنا نُجير جراحنا"، ثم حلّق في أعالي الشعر" يحمل قنديلا ملائكيا في يد، وحزنا مَلكيا في اليد الأخرى.

من صعيد مصر حيث للشمس سطوة وللأرض ذاكرة، جاء أحمد بخيت محمّلا بعذوبة الطفولة وعواء قطار يمضي نحو المجهول. كبر الطفل، لكنّ المجهول لم يغادره. فقد صار وطنا يسأل عنه، وحبّا يطارده، وقصيدة يقترب منها كلما كتب، ثم يكتشف أنّ أجمل ما في الشعر هو ما يظلّ عصيّا على أنامله، "ولوا وضعوا بين يديه عرش الشمس والأقمار".

وبين قصيدة تعزف أو تنزف، وأخرى لم تجئ أولم تولد، يؤمن أحمد بخيت أنّه ثمّة قصيدة لم تُكتب بعد، وثمّة إنسان لا يزال يحاول أن يصبح أجمل قبل الرحيل.  وبين هذين الحُلمَين، يكتب الشاعر كي يفهم العالم وربما كي يحتمله، رافعا قنديله ومردّدا يقينه الذي يشبه الوصية: "أنا أكتب إذن أنا موجود".

* قبل أن يصبح أحمد بخيت شاعرا كبيرا، كان طفلا يحمل شجنا صعيديا يغني... ما الصورة التي ما زالت عالقة في ذاكرتك، وتشعر اليوم أنها كانت القصيدة الأولى التي كتبتها الحياة  في وجدانك؟

صورة أمي تحيطني أنا وأختي بالقطار ومعنا جدتي لأبي ونحن مسافرون للقاهرة للعيش مع أبي والقطار يعوي في الفجر والجنوب ينسحب ونحن باتجاه المجهول. وهي الصورة التي رسمتها في شهد العزلة بعد سنوات، فقلت:

عواء قطارنا في الفجر يبلع رقة الأذان

ويحملنا لمجهول نشير إليه بالعنوان

شمالا باتجاه الخوف والمجهول والنسيان

*في طفولتك المبكرة، تمنيت أن تكون "نبيا" لشدة رغبتك في امتلاك رسالة. فكيف يمكن للشاعر أن يكون نبيا في قومه؟

كانت أمنيتي تلك بالقاهرة بالمدرسة الابتدائية، وهي أمنية غامضة بقلب كل مبدع كبير وإن لم يعلنها. هي الرغبة في إصلاح العالم والوقوف على أعراف الإنسانية  وقراءة علامات الوجود في الإنسان.

إنّ قراءة المبدع للعالم من حوله والملك والملكوت والرغبة العظيمة في عرفان لا محدود هو أمل إنساني في كل قلب يحس ويفكر.

*الكبرياء في شعرك ليس تصنّعا بل هو طينتك الأولى، لكن النخل العالي يواجه الريح وحده. ما هي الضريبة التي دفعها أحمد بخيت ثمنا لحراسة هذا الخيلاء؟

أسميه الاعتداد بالذات ولا أحب مفردة الخيلاء وأحب حكمة النخل.

كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعا

يرمى بصخر فيعطي أطيب الثمر

دفعت الثمن في التغييب عن المشهد، في الهجوم غير المبرر، في الترصد لكل نفس أتنفسه... وإبداعيا في التقليد والسرقة،  في توقع الكثير من رجل مغرم بالتجديد والتجديد يحتاج كثيرا من التفكير والتوقف... في الظروف الطاحنة لبلادي في المجاملات والنفاق والعلاقات التي تحكم عالم الثقافة بالوطن العربي. ولست الأفضل في المجاملة والمدح أحب أن أكون صادقا ومفيدا في رأي، وهو ما يغضب من لا يريدون إلا المدح والتقريظ.  أنا كائن لا أعرف إلا الإبداع ولست ماهرا في مهارات الترويج لعملي.

* في قصيدتك "روما توزّع خبزنا"، استشرفت عين الشاعر ما لم تره عين السياسة قبل ضرب بغداد. كيف يتعايش الشاعر مع وعي يرى الكارثة قبل وقوعها بمحطات... وربما سنوات؟

هذا الوعي مُهلك للشاعر وحافز له. هذا الوعي يصرخ بالمبدع ليؤذن في الناس بالنذر. وقد شعرت به بقوة قبل ضرب أمريكا للعراق. وكانت نهاية لفكرة القومية العربية نهاية علنية، بعد أن كانت محسوسة فقط.  كان علينا أن نراجع كل موروثنا الفكري، ولماذا وصلنا إلى هذه الهاوية. كان علي أن أسأل بشجاعة هل تمتلك هذه الأمة ما يؤهلها لدخول الألفية الثالثة دون هزائم كبيرة؟ وما دور موروثها  في تعطيل حركتها التاريخية أو دفعها للأمام؟ وهو سؤال فكري وحضاري كبير.

* كتبت قصائد كثيرة تلامس وجع الشعوب، لاسيما غزة وفلسطين... ألا تخشى أن يتحول استثمار الوجع القومي في القصائد إلى "كليشيه مضمون" لكسب تعاطف الجماهير والجوائز؟

لم اكتب ليصفقوا لي بالأحرى كتبت لينتبه الغافلون، ولينزعج التافهون، وليتقدم من عندهم رؤى جديدة وصادقة لإنقاذ هذه الأمة. وقد عبرت عن ذلك في قصيدة "الظل الثالث":

نزفتُ فصَفَّقُوا لي قلتُ: ويلي

لقد كذبَتْ على قَلبِي الأماني

فهلْ رصَّعْتُ بالندباتِ قلبي

تَسْلِيَةِ الجُموعِ كبهلوانِ؟

* تونس، هل هي مكان زرته، أم مكان ترك أثرا في ذاكرتك الشعرية؟ من تعرف من شعرائها؟ وما الذي لا تستطيع أن تراه فيها إلا بعين الشاعر؟

تونس حالة خاصة في قلوبنا. احتضنت قضية فلسطين وكانت شرارة الثورات العربية. وهي على صغر حجمها بقيت رمزا مثيرا في قلب كل شاعر حرّ له صوت مضيء يُعني بقضايا أمته. كتبت عن تونس كثيرا. وقد طاف بأول قصيدة لي عن ثورة الياسمين التونسي الجميل جمال الصليعي أرجاء تونس:

سَتَنْجُو أُمَّةٌ مِنْ حُوتِ "يونسْ"

وَأَوَّلُ شاطِئِ الأَحْرارِ تونسْ

أُمٌّ تَكْرَهُ الطُّغْيَانَ أُمِّي

وَأَجْمَلُ أُمَّهَاتِ الأَرْضِ تونسْ

وأعرف من شعراء تونس الكثيرين، وشاركتهم في لقاءات شعرية، على غرار منصف الوهايبي ومنصف المزغني  والراحل محمد أولاد أحمد  والجميل جمال الصليعي  ومحمد الغزي...  ومن جيلي خالد الوغلاني وغيرهم  من الجيل الصاعد.

*يقولون إنّ الجوائز تمنح الشاعر عمرا إضافيا... كيف ينظر أحمد بخيت إلى قصيدة فازت برضاء النقاد ولجنة التحكيم، مقارنة بقصيدة أخرى بكى عابر سبيل حين سماعها؟

القصيدة الأعظم هي من ترافق الإنسان والجائزة الأكبر حب القارئ.أعتز بكل قارئ يحب شعري ويصحبه في رحلة حياة لا تنتهي.  قد  تتلاشى لحظة النشوة بجائزة لكن نشوة الحضور الفاعل في وعي الإنسان تبقى ما بقي الإنسان.

*هل للشعر سعر؟ وكيف يوازن أحمد بخيت بين عزة نفس الشاعر الصعيدي، وبين متطلبات الحياة التي تجبر المبدع أحيانا على تحويل جمر روحه ودم كلماته إلى خبز لأولاده؟

كلاهما نبيل: الكلمة شرف، وخبز الأولاد شرف والعمل من أجله شرف. لا أقدّم على شرف الكلمة شيئا لكنني في إطار ذلك لا أحب أن يحتاج أولادي لأحد سوى الله وجهدي في إسعادهم. هذا هو الجهد المضاعف الذي على المبدع أن يدفعه الكلمة والخبز حياة الإنسان وكلاهما لازم.

أتينا من صعيد الشوق

أفئدة جنوبية

نفتش تحت وهج الشمس

عن خبز وحرية

وعن بيت نربي فيه

لهجتنا الصعيدية

* لو أرسلت إليك يد الغيب مالا يداوي ابنك في زمن مضى دون الحاجة لمنصات التحكيم وصكوك التقييم، هل كنت ستطأ أرض "أمير الشعراء"؟

أعتقد لا.  كان الشعر سيبقى حرا من ضغط لجان التحكيم، والقواعد الصارمة، وبريق الأضواء المُغوي والمُحرض على المباشرة. كنت سأبدع فقط متحررا من الضغوط.

* طالما كانت قصيدتك حرة تحلق في فضاء الفصحى. لكن عندما كتب  أحمد بخيت "الأغنية" لوردة الجزائرية و أنغام ومحمد الحلو وغيرهم..  هل شعر أنّ القصيدة تخلع تاج كبريائها الثقيل لتلبس ثوبا بسيطا يغازل آذان العوام؟

كتبت الأغنية في الهزيع الأخير لدور الكلمة في الأغنية، قبل أن تصبح الكلمة في الأغنية لها دور ثانوي بسبب تغول الإيقاع والصورة وإبهار الإنتاج والإخراج والتصوير وقدرتهم  على سحب البساط من سلطة الكلمة لصالح الحركة والفاعلية والرقص والألوان... أشعر بالغربة الآن عن عالم الأغنية الحديثة. كنا نكتب بأقل قدر من التصوير، وأكثر قدر ممكن من البناء السهل المباشر تقريبا. ولم يكن بوسع شاعر الأغنية أن يقدم  نصوصا عميقة إلا ما ندر. لم أستمر في وسط الأغنية لأنّ شغفي الأكبر كان بقصيدة الفصحى وباللغة العربية. وشعراء الأغنية مبدعون لاشك وقادرون على إضافية نوعية فيها، بينما شعرت أن مسؤوليتي الأهم تجاه قصيدة الفصحى. واعتبرت نفسي واحدا من حراس اللغة والشعر العربي وعلي  دور في عدم غياب القصيدة الفصحى عن سمع الجمهور العربي، كما أن التحديات فيها تليق بكبار الهمة. ربما كنت حالما لكن هذا ما كان.

* يكتب الشعراء قصائد، وبعض  القصائد تكتبهم  وتترك ندوبا في أرواحهم... ما هي القصيدة التي كلما قرأتها في محفل، شعرت أنك تنزف ذات الوجع الذي كتبتها به أول مرة؟

"قمر جنوبي" تفعل بي ذلك... وبالجمهور.

* تتقن البرمجيات اليوم ضبط الأوزان وقوافي الخليل، وربما تحاكي المجازات والاستعارات ... ما هي "النفخة الروحية" والسر الإلهي في قصيدة أحمد بخيت، الذي تعجز الخوارزميات عن استنساخه؟

لا يستطيع الحاسوب دمج تجربة إنسانية خاصة في نسيج ثقافي متين. هو على الأغلب يستعير أبنية وتراكيب مستعملة قبلا، ويجيد تنظيمها بسرعة الحاسوب. إنّه ينظم شيء من شيء ولا يصنع لحظة صدق حقيقي. هو في النهاية آلة يغذيها ذكاء الإنسان.

قدراته هي سرعة وقت وسعة معلومات، لكن قدرات الإنسان تمتزج فيها روح الكلمة بروحه، بروح الكون. أما الدائرة الإبداعية عبر الحاسوب ليست كاملة كما الإنسان، فهو بكل نقاط ضعفه أكمل وأكثر تجددا وبكارة...

* طفل الجنوب الذي غزل لغته من شمس الصعيد وعطاء النيل ، كيف ينظر اليوم بوجه الرجل الحكيم إلى جيل المستقبل يقرأ الوجود عبر شاشات زجاجية باردة، ويبحث عن كيانه في فضاءات رقمية بليدة؟

إنسان هذا العصر مسكين، بيده ظاهرا كل شيء لكنه يفتقد جوهر الأشياء. يعاني المرارات في افتقاد الشغف والأمل والطمأنينة في عالم متقلب وغارق في الحروب والعوز الروحي  وفي حياة تتمحور حول الماديات وتنتصر للتفاهة على حساب القيمة. كل شيء محسوب بالكمّ واللمعان السريع لكنه ليس مُقدّرا. في قصيدتي "الجيمية"، قلت:

تبا لبيتِ العنكبوتِ ، لشاشةٍ

تختارُ لونَ البحرِ، لاستدراجي

ولنقرةٍ لهفى ، ولاسْمِكِ وامضا

كالأمنياتِ لقارِئ الأبراجِ

ولكلِّ ما صنعَ الخيالُ بطفلةٍ

عريانةِ الإحساس ِ،خلف زجاجِ

ومن اقتراح مدائنٍ وهميةٍ

ليست سوى قطعٍ من "الكولاجِ"

*عندما تخلع قصيدتك ثوب الضاد الحريري لتلبس لغة أخرى في الغرب، هل تشعر أن المترجم قد منحها حياة جديدة، أم أنه قدم للعالم "جثة" أنيقة لقصيدة ماتت روحها وبلاغتها في الطريق؟

ليس كل مترجم ببراعة بودلير حين ترجم من الأدب الامريكي أدجار آلان بو، ولا أحمد رامي حين أعاد صياغة رباعيات الخيام وأذاعت صيتها أم كلثوم.

غالبا ما يقدم المترجم لقصيدة عربية للغة أخرى جثة أنيقة. في حالات نادرة تنجو الجثة بجسد جديد من روح المترجم حين يعيد كتابة النص بلغته شرط  امتلاك  لغة أدبية رفيعة. لا أظن أن رباعيات الخيام بترجمة أحمد رامي كانت ترجمة بل هي بالأحرى صياغة عربية لأفكار الخيام في الرباعيات.

وكذلك  الترجمات  الانجليزية لجلال الدين الرومي، بينما جاءت ترجماته العربية مملة رغم دقتها وكشفت أن كثيرا مما كتبه كان في الحقيقة هو إعادة كتابة لشعر عربي قديم وحكايات عربية.  وفي الحقيقة، لا تهزني كتابات جلال الدين الرومي، وأراها بضاعتنا ردت إلينا بترجمة  عربية مملة . أحيانا أجد على الميديا أبياتا لي تنسب لجلال الدين الرومي.  مثلا بيتي الذي أقول فيه:

رفعت لله قنديلي فأوقده

فهل تظن يدا في الأرض تطفئني ؟

كثيرا ما ينسب لجلال الدين الرومي لأنّ معناه ينسجم مع الصورة المتخيلة له.  لقد تم الترويج لكُتّاب كثر بسبب أفكارهم التي تلائم أمزجة ومؤسسات ما لتلميع وتضخيم منجزهم لأنها تخدم أفكار ما يراد ترويجها. وهو ماحدث قديما ويحدث حديثا .

*ما الذي ترفضه في النقد الأدبي العربي المعاصر؟ وهل ترى أنّ النقاد قرؤوا تجربتك الشعرية كما ينبغي، أم أن هناك جوانب أساسية منها لم تحظَ بما تستحقه من القراءة؟

الناقد يطمح أن يكون مبدعا أو يصنع هالة قداسة عبر المصطلحات الضخمة، ولا يقرأ نصا

بل يكتب نصا حول النص. إنّ النقد العربي يجتلب مدارسا ومناها نشأت في حضن نص إبداعي مختلف ولسان مختلف، ويفرضها فرضا على نصوص جاءت من لسان وثقافة مختلفة. لا نقول للناقد أن يهمل دقة المناهج المستحدثة، لكن نقول له كذلك النص الذي تنقده يحمل إرثا لم يحمله واضع هذه المناهج.  على سبيل المثال عاش شوقي بفرنسا وقت كانت تموج بالتجديد والسريالية والرمزية وغيرها وعرفهما جيدا لكنه أدرك أن ثقافة أمته وأدبها لا يحتاجان للقفز مثل هذه القفزة، فانشغل أكثر ببناء جسر جميل بين ماضي ثقافته وحاضرها المعاصر. وعبر هذا الجسر جاءت بعده موجات التجديد لم يكن عاجزا أن يكون رومانسيا مثلا، وظهر ذلك في قطع كثيرة من مسرحياته الشعرية. فكان بالفعل أبا روحيا للرومانتيكيين العرب. لم تكن الأحكام القطعية والتصنيفات يوما في الشعر بهذه الحدة.

إنّ النقد علم وفن لا يكون بالجمود الأكاديمي الممنهج فقط، بلا ذائقة رفيعة المستوى، ولا بالذائقة المتحيزة لما تحب فقط ولذوقها الشخصي.  وعبقرية الناقد أن يوفق بين دقة الأدوات ورفاهة المادة التي يتعامل معها، وأن يتحكم في تحيزاته التي لن ينجو منها تماما لكن على الأقل يحد من أثرها الضار.

بالنسبة لي  لا أعتقد للآن رغم وجود دراسات حول شعري من كبار النقاد والشعراء من كل الأجيال في الصحف وبعض الدراسات الأكاديمية، أنّ أحدا أوفى عملي ما يستحق من جهد نقدي يكشف عن  أبعاده وتجلياته. لكنني لا أفقد الأمل في أنه بمرور الأيام وحين تكتمل تجربة  نقدية حول شاعر ودوره، سيتكشف الكثير حول ثراء نصه أم فقره.

* في "شهد العزلة" تجمع بين الشهد بما فيه من حلاوة والعزلة بما فيها من مرارة. هل العزلة عندك كانت جرحا أم شرطا للكتابة؟ وهل يحتاج الشاعر إلى أن يعزل نفسه كي يسمع صوته؟

بل ليسمع صوت فكره وقلبه بعد أن اختزن رؤيته للعالم.  يفتح آفاق ذاته ليتلقى صورة العالم

ثم يدخلها لبصيرته ليفحصها ويعيدها للعالم مضافا إليها من روحه ووعيه ما يعتقد أنه يفيد الإنسان في فهم ذاته والعالم حوله. كل ذلك يحدث بشكل غير مفتعل ولا مرتب ترتيبا منطقيا إنه أشبه بالإنصات العميق لصوت العالم وصوت الذات واختراع عبقرية اللغة.  ولإنتاج ذلك  الإبداع  رحلة صعبة متعددة الأبعاد تقطعها نفس المبدع في ثلاثة أبعاد: الذات والعالم واللغة.

*يتكرر اسم "ليلى"في شعرك، ويظهر بوضوح في  رائعتك "الليالي الأربع"... هل "ليلى" عند أحمد بخيت امرأة بعينها، أم أنها مع الوقت تحوّلت من اسم إلى قناع شعري وذاكرة وحنين...؟

ليلى أشهر رمز بالشعر العربي ليس فقط عند المجنون في شعره العذري لكن كذلك عند المتصوفة في شعرهم العرفاني. وإيقاعيا هي من أجمل الأسماء وقابلة للدخول في كل إيقاع شعري.  وبمرور الزمن صارت رمزا للتوق والحنين، لمثال بعيد لا يطال.  في "ليلى" كتبت امرأة أعرفها وقصة عشتها. لكن خيال الشاعر يضيف الكثير للقصة الحقيقية والرمز مفتوح لأقصى مداه ليعبر عن الحب والحنين، فيما يتجاوز شخصية امراة واحدة لقضية الحب ككل.

* يقول المتصوفة: "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة". ما هي القصيدة المستعصية التي ما زالت تنام في خيالك كحلم بعيد، لأنك تشعر أن قواميس اللغة العربية -على اتساعها- ما زالت أضيق من أن تلبس جسدها؟

هناك دوما قصيدة لم تكتب بعد. قصيدة هي الحلم الإبداعي. وكل كتابة هي خطوة للاقتراب منها، كل شعر قبلها يصبح تمرينا  لكتابتها لكنها لا تأتي. ربما كانت أنفاس الكاتب في الحياة هي قصيدته الأكبر يختتمها مع أنفاسه الأخيرة.

*بعد عشرين ديوانا، وعشرات السنوات من مطاردة اللغة والحب والوطن والمعنى... ما الذي لم يقله أحمد بخيت بعد ؟

قال ديكارت  أنا أفكر إذن أنا موجود

المعنى الذي أردته هو البحث عن اليقين وعبارتي هي: أنا أكتب إذن أنا موجود

 

هامش على المتن

*هل تكتب الشعر كي تفهم العالم، أم لأنك عجزت عن احتماله؟

لكي أفهم العالم فقد يساعدني هذا على احتماله.

* إذا كان الشعر قد منحك صوتا واسما، فماذا أخذ منك في المقابل؟

الاستقرار الأسري وسنوات العمر

*هل التصوف في شعرك يقين أم سؤال العمق؟

كل كتابات الإنسان سؤال والإجابات لا تكتمل في عالم الشهود بل تظل تسير باتجاه الغيوب

لتكتمل

*من أو ما الذي يلهم أحمد بخيت، اليوم؟

الصوت العذب وهو يترنم خاصة بالقرآن. والألوان خاصة في الطبيعة. والبراءة في عيون الأطفال وكبار السن .

* ما هي "الجائزة الكبرى" التي ما زال أحمد بخيت ينتظرها؟

أن أصحح أخطائي وأصبح أجمل قبل رحيلي.

*إذا خيّرت .. فأيّ قصائدك ستصطفي؟

الليالي الأربع

*عندما يغلق أحمد بخيت باب صومعته، ماذا يقرأ ولمن ؟

لا أجد أجل ولا أعظم من كتاب الله.

 

تونس حالة خاصة في قلوبنا

إنسان هذا العصر مسكين، بيده ظاهرا كل شيء لكنه يفتقد جوهر الأشياء

غالبا ما يقدم المترجم لقصيدة عربية للغة أخرى جثة أنيقة

لا أحد أوفى عملي ما يستحق من جهد نقدي يكشف عن  أبعاده وتجلياته

المشاركة في هذا المقال